ابن عربي

144

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

في الحيوان المذكى ، فالإنسان برزخ بين الملك والحيوان ، ثم إن البقرة التي ظهر الإحياء بموتها والضرب بها برزخية أيضا في سنها ولونها ، فهي لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ، فهذا مقام برزخي ، وهي لا بيضاء ولا سوداء بل صفراء ، والصفرة لون برزخي بين البياض والسواد ، فقويت المناسبة بين البقر والنفوس الإنسانية « قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » لأن الجهل صفة مذمومة منهي عنها بقوله تعالى : « فلا تك من الجاهلين » مستعاذ باللّه منها .

--> الصورة الإنسانية من الجوهر وكساه صورة القرد ، فإن الحرارة لا ترجع برودة ، لكن الحار بقبوله للحرارة إذا زالت عنه زال عنه اسم الحار وقبل البرودة ، فصح عليه اسم البارد ، وما ثبت عندنا من طريق صحيحة أن ظواهرهم رجعت في صورة القردة ، والقدرة صالحة ، فقد يحتمل أن يكون مسخ بواطنهم قردة مع بقاء الصورة الإنسانية ، ويحتمل أن يكون مسخ ظواهرهم قردة مع بقاء علمهم بأنهم ذلك ، ليذوقوا العذاب ، فيكون قردا في الظاهر إنسانا في الباطن ، واللّه على كل شيء قدير ، وما يقع التوقف إلا من عدم صحة النقل لا من حيث الإمكان ، وقوله « خاسِئِينَ » أي مبعودين مطرودين من رحمة اللّه ، ، وقوله ( 67 ) « فَجَعَلْناها » يعني هذه الكائنة « نَكالًا » قيدا وحدا يوقف عنده إذ كان النكل القيد يقف عنده الماضي والآتي معتبرا ، وقد يكون قيدا أي ثباتا للممسوخين على هذه الصورة « ل » لأجل « ما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَ » جعلناها « مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ » للذين يخافون مثل هذه الأشياء ، وقد يكون نكالا من النكول وهو العدول ، عدل بهم عن رحمة اللّه لما عدلوا عن طاعته والوفاء بعهده وميثاقه ، وجعلناها بمعنى صيّرناها في عينها للحاضرين الذين يشاهدونها ، وفي الذكر بالخبر عنها لمن يأتي بعدهم ، وذلك أن اللّه لما خلق الإنسان خلقه مستقبلا الآخرة ، فهو يطلبها في سيره ، ومدة ذلك عمره ، وأول منزل يلقاه منها القبر ، وأول حالة تدركه منها الموت ، والساعة أيضا تستقبله ولذا سميت ساعة أي تسعى إليه ، فعند الموت يكون اللقاء بين الإنسان والقيامة ، قال عليه السلام ( من مات فقد قامت قيامته ) ولا يزال في منازلها يتقلب ويقطعها إلى يوم البعث ، ثم يقطع منازل ذلك اليوم إلى أن يصل إلى الجنة أو إلى النار ، فلهذا ثبت له الأمام لما يستقبله ، والخلف لما يأتي بعده ( 68 ) « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً » القصة : كان سبب هذا أن رجلا قتل عمه وجعله في أرض قوم ليأخذ ديته ، ثم استعدى على أهل تلك الأرض ، وتدافعوا معه بالخصومة فارتفعوا إلى موسى عليه السلام وسألوه أن يبين لهم عن الأمر ، فسأل ربه ، فأمره أن يأمرهم أن يذبحوا بقرة ، فيضرب الميت ببعضها ، فيحييه اللّه ، ليريهم كيف يحيي اللّه الموتى ، ولتبرأ ذمة البريء مما نسب إليه من ذلك ،